لمحة عن المقال
هل حدث معك هذا من قبل؟
هل سبق أن أمسكت بكتاب وقرأت نفس الفقرة مرتين أو ثلاث، ثم رفعت رأسك وأدركت أنك لا تتذكر شيئًا؟ وكأن الكلمات قد مرّت على عينيك ولم تصل إلى دماغك؟ أو ربما كنت تذاكر للامتحان، وكل ما تشعر به هو الانهيار وسط طوفان من المعلومات، التواريخ، المصطلحات، والتعاريف؟!
وفي الوقت نفسه، ترى زميلك في الصف يقرأ نفس الصفحات ويتذكرها بسهولة مذهلة. فما السر؟ هل يمتلك ذاكرة خارقة؟ هل هو ولد موهوب؟ لا تقلق، الخبر الجيد أن هناك سرًا علميًا بسيطًا – اسمه تقنية تجزئة المعلومات.
ما هي تقنية التجزئة؟
تخيل أن ذاكرتك مثل حقيبة صغيرة. لا تستطيع حمل صندوق ضخم دفعة واحدة… لكن يمكنها حمل صناديق صغيرة متعددة. هنا تظهر قوة تقنية التجزئة: تقسيم المعلومات الكبيرة إلى وحدات صغيرة مترابطة تُعرف باسم “مجموعات”، وربطها بروابط منطقية أو بصرية.
مثلًا، عند حفظ رقم هاتف مثل: 0567721843، لا نحفظه دفعة واحدة، بل نقسمه إلى أجزاء: 056 – 772 – 1843. هذا هو بالضبط مبدأ التجزئة.
ماذا يقول العلم عن قدرة الدماغ؟
تشير الأبحاث إلى أن قدرة الذاكرة القصيرة لدى الإنسان تتراوح بين 5 إلى 9 وحدات من المعلومات فقط. هذا يعني أنه إذا قمت بعرض 20 معلومة متتالية، فإن دماغك سيشعر بالتشتت. أما إن قسّمتها إلى 4 أو 5 مجموعات مترابطة؟ سيصبح استيعابها أسهل بكثير!
لماذا التجزئة فعالة جدًا؟
لنتخيل أنك تحاول حمل 12 كرة بيد واحدة. مستحيل، أليس كذلك؟ ولكن إذا وضعت الكرات داخل ثلاث علب، وأخذت علبة واحدة في كل يد؟ عندها ستتمكن بسهولة من حملها.
التجزئة تساعد الدماغ على بناء “خريطة ذهنية” منظمة. بدلًا من استقبال سيل مشوش من المعلومات، تمنح هذه الطريقة العقل نظامًا داخليًا لترتيب العناصر وتخزينها. النتيجة؟ استرجاع أسرع وتثبيت أقوى في الذاكرة.
كيف تطبّق تقنية التجزئة؟ ثلاث خطوات سهلة
1. تحديد وحدات المعلومات
ابدأ بقراءة المادة، وابحث عن عناصر تتشارك في المعنى أو الوظيفة. فمثلًا، إذا كنت تدرس عناصر الطقس، ستجد عناصر مثل: الحرارة، الضغط الجوي، الرياح، الرطوبة. جميعها تنتمي إلى وحدة واحدة يمكن جمعها معًا.
2. إعطاء اسم لكل مجموعة
لكل مجموعة، اختر عنوانًا مميزًا ليسهل تذكرها. يمكن أن يكون اسمًا وظيفيًا أو تخيليًا. مثلًا، “عناصر التواصل” للجهاز العصبي والهرموني، أو “أدوات التنظيف” للجهاز البولي والإخراجي. وإذا كنت متعلمًا بصريًا؟ يمكنك كذلك رسم رمز صغير لكل مجموعة.
3. ربط المجموعات بقصة خيالية
عقلك يحب المرح! فكلما استخدمت خيالًا مضحكًا أو غريبًا، كلما ترسّخت المعلومة أكثر. على سبيل المثال، عند دراسة دورة الماء، تخيل قطرة ماء تغادر الغيمة في مغامرة، تسافر للأرض، تمر بالجبال، تتبخر من النهر، ثم تصعد مجددًا.
هذه القصة ستبقى في ذاكرتك لأنها تأخذ المعلومات وتحوّلها إلى سيناريو سهل الاستيعاب.
مثال تطبيقي من حياتك الدراسية
لنطبّق ما سبق على موضوع شائع: أجهزة جسم الإنسان. قد يبدو الموضوع مربكًا لأنه يحتوي على العديد من الأجهزة: العصبي، العضلي، الدوري، التناسلي، البولي، المناعي، الهضمي، التنفسي.
هكذا نُجزّئ أجهزة الجسم:
- أجهزة الاتصال: العصبي والغددي
- أجهزة الحركة: العظمي والعضلي
- أجهزة الدعم والتنفس: الدوري والتنفسي
- أجهزة الإخراج: البولي والهضمي
- أجهزة الاستمرار: التناسلي
ثم نُنشئ قصة:
تخيل أن الجسم هو “مسرح كبير”. المخرج هو الجهاز العصبي، يقوم بتوزيع التعليمات على بقية الأجهزة. الهرمونات تعمل كوسائل اتصال. الهيكل العظمي هو الديكور، والعضلات هم الممثلون الذين يؤدون العرض. أما الجمهور؟ فهو الجهاز المناعي يراقب كل شيء ويصفق عند النجاح!
هل ضحكت؟ ممتاز! لأن هذه القصة ستجعل المعلومات تلتصق بذاكرتك بدون مجهود.
لمن تصلح هذه التقنية؟
التجزئة ليست فقط للطلاب. بل لكل من يتعامل مع كميات كبيرة من المعلومات، ويريد أن يتذكرها بطريقة أسرع وفعالة. إليك بعض الأشخاص الذين يستطيعون الاستفادة منها:
- الطلاب في مختلف المراحل الدراسية
- المعلمون لشرح الدروس بطريقة أوضح
- الآباء والأمهات لمساعدة أبنائهم في المذاكرة
- أي شخص يقدم عرضًا ويريد تذكر النقاط بدقة
الدراسات الحديثة تشير إلى أن الأطفال الذين يتعلّمون تقنية التجزئة يتحسن أداؤهم في اختبارات الحفظ بنسبة تصل إلى 60% مقارنة بزملائهم!
امتلك الآن مفتاح التعلّم الذكي
لا حاجة بعد الآن لتكديس المعلومات في عقلك بشكل عشوائي. التجزئة تمنحك طريقة ذكية لتحويل الجبال التعليمية إلى سلالم سهلة الصعود. فالموضوع لا يتعلق بكمية ما تقرأ، بل بكيفية تقسيمه وحفظه.
جرب الآن تقنية التجزئة في أي مادة تذاكرها: الجغرافيا، العلوم، الدين، أو اللغة. خذ الموضوع، قسّمه إلى مجموعات، أعطه رموزًا، واربطه بقصة… وشاهد الفرق.
واحرص على العودة أسبوعيًا لتتعلم تقنيات جديدة تساعدك على الدراسة بذكاء، وليس بجهد فقط. واذكر دومًا: ذاكرتك ليست ضعيفة… فقط تحتاج إلى التنظيم!


