white and brown book on brown woven surface

لمحة عن المقال

هل سبق لك أن حاولت حفظ قائمة طويلة من الكلمات، وانتهى بك الأمر إلى نسيان معظمها بعد دقائق؟

هذا موقف شائع، بل يكاد يكون يوميًا في حياة الطلاب والمتعلمين. نحاول جاهدين حشو عقولنا بسلاسل لا تنتهي من الكلمات، ثم نُفاجأ بأنها تتبخر أسرع مما توقعنا. لكن في المقابل، هناك مشاهد نحتفظ بها في أذهاننا من كتب أو أفلام أو حتى إعلانات، دون أن نبذل أي جهد لحفظها.

فلماذا تبقى الصور؟ ولماذا نتذكرها بوضوح بينما تعاني الكلمات للبقاء في ذاكرتنا ولو لساعات؟ الإجابة العلمية ستدهشك، كما أن الاستفادة منها ستُحدث تحولًا جذريًا في طريقة دراستك وتعليمك.

قصة بسيطة: أحمد يقرأ، وسارة ترى

تخيل معي طالبان، أحمد وسارة. كلاهما يدرسان نفس الموضوع: “مكونات الطائرة”. أحمد قرأ صفحة مليئة بالكلمات حول كيفية عمل الأجنحة والمحركات والذيل. أما سارة، شاهدت صورة واضحة لطائرة، تظهر كل جزء مع رسم توضيحي صغير يشرح وظيفته.

في اليوم التالي، من منهما تذكّر التفاصيل بدقة؟ سارة بالطبع. فالصورة تركت أثرًا عميقًا في ذاكرتها بينما تسربت الكلمات من عقل أحمد كما تسرب الماء من بين الأصابع.

العقل يفضل الصور: لغة الفطرة

العقل ليس جهازًا يعالج الكلمات كما نظن، بل هو جهاز بصري بالدرجة الأولى. ما يقرب من 90% من المعلومات التي يعالجها دماغنا هي معلومات مرئية.

عندما تقرأ كلمة مثل “قطة”، لا يكتفي عقلك بالحروف، بل يُشغّل في الحال صورتها في ذهنك. وهذا ما أشار إليه عالم النفس “ألان بايفيو” في “نظرية الترميز المزدوج”، والتي تقول إن المعلومات حين تُخزَّن ككلمات وأيضًا كصور، فإن الدماغ يحتفظ بها في نظامين منفصلين، مما يعزز الاستدعاء لاحقًا.

نصيحة عملية:

مهما كان ما تدرسه، جرّب أن ترسم الفكرة. لست بحاجة إلى أن تكون فنانًا. حتى الخطوط البسيطة أو الرموز كافية. الهدف ليس الجمال، بل قوة الذاكرة.

تجربة علمية تؤكد: الصور أقوى من الكلمات

في تجربة وجدت صداها الواسع، عُرضت 250 صورة عشوائية على مجموعة من الطلاب خلال ساعتين. وبعد يومين، استطاعوا تمييز أكثر من 90% من تلك الصور. لكن عندما عُرضت عليهم قوائم كلمات؟ تراجعت النسبة بشكل كبير.

النتيجة: الصور لا تُخزن فقط، بل تُخزَّن بدقة عالية، تجعل دماغك يسترجعها كأنك رأيتها قبل لحظات.

تشبيه بسيط:

الكلمات مثل أوزان ثقيلة نحاول دفعها إلى داخل الدماغ… أما الصورة؟ فهي المفتاح الذي يفتح الباب بكل سهولة. إنها الوسيط الفعال بين النص والفهم الحقيقي.

الفرق بين القراءة والرؤية

القراءة تُنشط جزءًا صغيرًا في الدماغ، أما الرؤية فتُحفّز عدة مناطق مختلفة: الذاكرة الطويلة، المشاعر، التخيل، وحتى مراكز الحركة. هذه التعددية تزيد من قوة الانطباع واستقرار المعلومة.

مثال حيّ:

لنأخذ مثالًا من درس العلوم: مكونات النبات. بإمكاننا أن نحفظها كقائمة:

  • الجذر
  • الساق
  • الورقة
  • الزهرة

لكن تخيّل الآن صورة لزهرة مرسومة بخط واضح: جذر يمتد في التربة، منه يخرج ساق، يصل إلى الأوراق، ثم تظهر الزهرة بألوانها الجميلة. أي الطريقتين ستبقى في ذهنك؟ بالتأكيد الصورة!

نشاط تطبيقي:

اجعل كل درس مرتبط بصورة أو رسم مبسط. مفاهيم مثل “الطاقة” يمكن تمثيلها برمز البطارية، بينما “القانون” يمثّله الميزان الرمزي. هذه الطرق تساعد العقل على بناء روابط قوية ومرئية.

كيف نستخدم هذه القوة في التعليم؟

للمعلمين والطلاب، إليكم ثلاث خطوات عملية لتطبيق هذه الفكرة في غرفة الصف أو أوقات الدراسة:

  1. استخدم اللوحات والرسوم: لا تكتفِ بالشرح النظري. حتى أبسط الرسومات تساعد الطالب على تصور المفهوم وربطه بحياة واقعية.
  2. امزج الكلمة بالصورة: ضع الكلمة ومعها شكل يعبّر عنها. على سبيل المثال “بركان” يمكن أن تُرسم كجبل تعلوه نار مشتعلة.
  3. اجعل الطالب يرسم: الرسم ليس للتسلية هنا، بل هو عملية تعلم نشطة تنقُل الفهم من خارج الدماغ إلى داخله بعمق واستقرار.

من يسمع فقط: ينسى بعد ساعات.

من يرى: يتذكر لأيام.

ومن يرسم: لا ينسى أبدًا.

التطبيق في الامتحانات والحياة الواقعية

حين تواجه الامتحان، الفرق الحقيقي يكون في سرعة استرجاع المعلومة. الطالب الذي ربط كل معلومة بصورة ذهنية، سيكون أقدر على تذكرها بشكل أسرع وأدق من طالب اعتمد فقط على سرد الكلمات.

ولهذا، فإن الصور ليست أداة ترفيهية، بل أسلوب تعليمي فعّال يناسب العصر الذي نعيش فيه، حيث الانتباه قصير والمنافسة قوية.

ماذا لو أصبحت كل دروسك صورًا؟

تخيل أنك بدأت بتحويل دروسك إلى رسوم توضيحية، وربطت كل مفهوم بصورة أو رمز. كم سيكون التحصيل أسرع؟ كم من الوقت ستكسبه؟ والأهم، كم من المعلومات ستحفظها لسنوات لا لأيام؟

ابدأ اليوم بتغيير طريقتك في التعلم. لا تقرأ فقط… شاهد، ارسم، وتخيل.

ملخّص سريع لما تعلمناه:

  • العقل يعالج الصور بشكل طبيعي أكثر من النصوص
  • الرؤية تُنشط مناطق أكثر في الدماغ، ما يجعل التعلم أعمق
  • الصور تُعزز التذكر وتعالج مشكلة النسيان السريع
  • دمج الكلمة مع الصورة يخلق ما يسمى بـ “الترميز المزدوج”
  • الرسم ليس للفنون فقط، بل هو أداة استراتيجية للذاكرة

إذا أردت أن تتعلّم فعليًا… فلا تكتفِ بقراءة المعلومة. بل اجعل عقلك يراها، يتخيلها، ويعيش داخلها. فهكذا فقط، ستُصبح ذاكرتك حليفتك الأقوى في طريق التعلّم.