لمحة عن المقال
سأحوّل دروسي إلى قصص!
في إحدى الليالي، جلس سامي، الطالب المجتهد في المرحلة الابتدائية، منهمكًا في مراجعة دروسه العلمية. قلب الكتب، وسطّر المعلومات، وكرر العبارات حتى منتصف الليل. وعندما نام، شعر بأنه استوعب كل شيء، لكن الصدمة أتت في الصباح. أمام ورقة الامتحان، عجز عن تذكّر حتى الجملة الأولى. هل حدث لك هذا من قبل؟ هل أنت وحدك الذي لا تتذكر؟
الإجابة ليست في الذكاء أو القدرات الخارقة، بل في مفتاح بسيط…. القصة!
لماذا ننسى بهذه السهولة؟
تخيّل ذاكرتك كخزانة ملابس ضخمة. إذا رميت الملابس فيها دون ترتيب، فستجد صعوبة في إيجاد القميص الأزرق عندما تحتاجه. هذه هي طريقة تعامل عقلك مع المعلومات. حين تُغذّى الذاكرة بمعطيات غير مترابطة، فإن عملية الاسترجاع تصبح صعبة وغير فعّالة.
لكن، إذا نظّمت هذه المعلومات في قالب قصصي، فإن العملية تختلف تمامًا. القصة تعمل كالرابط أو الخيط الذي يجمع كل المعلومات في تسلسل منطقي وسهل التذكّر. وفقًا لدراسة أجراها العالم جيروم برونر من جامعة هارفارد، فإن المعلومات المرتبطة برواية أو قصة تُسترجع بنسبة تزيد 22 ضعفًا مقارنة بتلك المعروضة بشكل نظري فقط.
كيف نحفظ المعلومات عن طريق القصص؟
الآن نكشف عن ثلاث تقنيات فعّالة لتحويل الدروس الجامدة إلى سيناريوهات مليئة بالحيوية والمتعة:
1. تقنية “شخصنة المعلومات”
هل تتذكر مفهوم الذرة؟ جرّب أن تتخيل الذرة على هيئة فتاة صغيرة تُدعى “ذُرّة”، تعيش في مدرسة اسمها “الكون”، وتسكن بيتًا يضم نواة في المنتصف تحوي بروتونات موجبة ونيوترونات محايدة، بينما تدور الإلكترونات حولها كالفراشات الملونة. حينما يتخذ المفهوم العلمي شكلًا إنسانيًا أو مشهديًا، فإنه يترسّخ تلقائيًا في الذاكرة، مثل مشهد من فيلم لا يُنتسى.
2. تقنية “دراما الرحلة”
لنفترض أنك تدرس “دورة الماء في الطبيعة”. بدلًا من حفظها بشكل نظري، اجعلها مغامرة! تخيّل أن هناك قطرة ماء استيقظت في البحيرة مع شروق الشمس، تبخّرت إلى السماء وانضمت إلى أصدقائها في السحاب، ثم عادت إلى الأرض على شكل مطر، وسافرت عبر الأنهار حتى وصلت إلى البحر مجددًا. تلك الرحلة الإبداعية ستجعل المفهوم راسخًا في عقلك لسنوات!
3. تقنية “حوار الشخصيات”
حتى القواعد النحوية قد تبدو ممتعة إذا تحوّلت إلى مشهد مسرحي. تخيّل مثلًا أن الأفعال الناقصة يجلسون في فصل دراسي: “كان” يتحدث عن تغيير الزمن، و”أصبح” يشرح تحوله من حال لحال، بينما “ما زال” يتحدث بهدوء عن الاستمرار. عند تحويل الأفعال الجافة إلى شخصيات حية، تبدأ المعلومات في الترسخ وكأنها من مسلسل درامي!
كيف يمكن للمعلمين والطلاب تطبيقها في الواقع؟
للمعلّمين:
أنت كمعلّم، لا تبدأ الدرس بتعريف جامد. بدلًا من أن تقول: “الحرب العالمية الثانية بدأت عام 1939″، قل: “في إحدى زوايا العالم، وتحديدًا في سنة مظلمة من القرن العشرين، كان هناك رجل يُدعى هتلر أشعل حربًا قلبت تاريخ البشرية…” ثم استرسل في الأحداث كأنها رواية تاريخية.
هذه الطريقة تُفعّل قدرات التخيّل لدى الطلاب وتُسهل عليهم استيعاب المفاهيم المجردة والمعقدة.
للطلاب:
أنت أيضًا، لا تجعل دروسك ملخصات مملة. افتح دفترك، واختر درسًا وانطلق في مغامرة تحويله إلى قصة. ارسم في بالك شخصيات، مغامرات، صراعات أو حتى لحظات فكاهية. ستجد نفسك لاحقًا تروي الدرس وكأنك تحكي قصة مشوقة لأصدقائك.
ماذا عن الدروس الكبيرة أو المعلومات الكثيرة؟
السؤال الذكي هنا: هل يمكن تحويل كل جزئية من الدرس إلى قصة؟
الجواب هو: لا داعي لذلك. المفتاح هنا هو التركيز على العناصر الرئيسية في الدرس فقط — التفاصيل المهمة، التواريخ الحاسمة، أو المفاهيم الأساسية. بمجرد أن ترتبط هذه العناصر بقصة مختصرة، فإن التفاصيل الصغيرة تتبعها بشكل أوتوماتيكي عند التذكّر.
القصة ليست ترفًا تعليميًا، إنها أداة معرفية جبارة تربط بين العقل والذاكرة.
تخيّل أن عقلك مكتبة ضخمة، وكل قصة تحفظها تمثل كتابًا موضوعًا بعناية، بعنوان واضح يسهل الوصول إليه. أما إذا كانت المعلومات غير مترابطة، فستكون مجرد أوراق مبعثرة.
ابدأ من اليوم بتحويل دروسك، قصصك، وكل معلومة تمر عليك إلى حكاية لا تُنسى. ستندهش من مدى قدرتك على التذكّر، وستجد أن الحفظ لم يعد مهمة شاقة، بل مغامرة ممتعة!
إذا ألهمتك هذه الأفكار، فاكتب في التعليقات: “سأحوّل دروسي إلى قصص”، وشارك المقال مع صاحبك المفضل أو زميلك المعلّم حتى يواكب هذه الثورة التعليمية المؤثرة!


