التشبيه وأركانه

لمحة عن المقال

التشبيه وأركانه في البلاغة العربية

تُعدّ البلاغة العربية من أبرز ما يميز اللغة العربية عن غيرها من اللغات، إذ تحتوي على أساليب فنية وجمالية تُثري الكلام وتزيد من قوته وتأثيره. ومن بين هذه الأساليب البلاغية يأتي التشبيه كواحد من أهم أدوات التعبير في اللغة، حيث يستعين به المتكلم أو الكاتب لنقل المعاني والأفكار بطريقة أكثر وضوحًا وتأثيرًا في السامع أو القارئ. يساعد التشبيه على تقريب الصور الذهنية وتجسيد الأفكار المجردة، فيجعلها أكثر سهولة في الفهم وأكثر جاذبية للمتلقي، خاصة بين المتعلمين من صغار السن في المدارس.

ويُعد درس التشبيه وأركانه من أساسيات البلاغة العربية لذلك نُلقي الضوء على التشبيه وأركانه في هذه المقالة.

ما هو التشبيه؟

التشبيه في اللغة هو إظهار المشاركة بين شيئين في صفة أو أكثر، باستخدام أداة تدل على ذلك، مثل: “كأن، مثل، يشبه، كـَـ”. أما في الاصطلاح البلاغي فهو: الربط بين أمرين يشتركان في صفة، بحيث يكون أحدهما واضحًا جليًا وهو ما يسمى بـ”المشبَّه به”، والآخر أقل وضوحًا وهو “المشبَّه”، باستخدام أداة للتشبيه وبيان سبب التشابه بينهما. وغالبًا ما يكون الغرض من التشبيه هو توضيح المعنى، أو تقويته، أو تزيينه، أو إبهاره.

أركان التشبيه

للتشبيه أركان أربعة أساسية، لا يكتمل إلا إذا وُجدَ من هذه الأركان اثنان على الأقل، وهي:

1. المشبَّه

هو العنصر الأول في التشبيه، ويكون المقصود توضيح صفته أو وصفه بشيء معين. والمشبَّه يكون شيئًا قد يكون حسيًا يمكن لمسه ورؤيته، كما قد يكون معنويًا مثل الكرم أو الشجاعة أو الغضب. مثال: “الطالب كالنحلة في نشاطه”. في هذا المثال، “الطالب” هو المشبَّه.

2. المشبَّه به

وهو الشيء الذي يُقاس عليه المشبَّه، وغالبًا ما يكون معروفًا بصفته القوية والواضحة في ذهن المتلقي. في المثال السابق: “الطالب كالنحلة في نشاطه”، فإن “النحلة” هي المشبَّه به لأنها رمز للنشاط.

3. أداة التشبيه

وهي الكلمة التي تُستخدم للربط بين المشبَّه والمشبَّه به. من أشهر أدوات التشبيه: “كـَ، مثل، كأن، يشبه، يماثل، كـأنه، كالحصن”. وأحيانًا تحذف هذه الأداة في بعض أنواع التشبيه. في المثال السابق، “كالنحلة”، فإن “كـَ” هي أداة التشبيه.

4. وجه الشبه

وهو الصفة المشتركة بين المشبَّه والمشبَّه به، ويجب أن تكون هذه الصفة هي وجه الشبه بين الطرفين. ويُمكن أن تكون صفة واحدة أو أكثر. وفي المثال: “الطالب كالنحلة في نشاطه”، فإن وجه الشبه هو “النشاط”.

وقد يُذكر وجه الشبه صريح في الجملة، وقد يُفهم ضمنيًّا، حسب نوع التشبيه المستخدم.

أنواع التشبيه

تتعدد أنواع التشبيه في البلاغة العربية حسب اكتمال أركانه أو حذف بعضها، أو حسب الغرض من التشبيه، وفيما يلي أبرز أنواع التشبيه:

1. التشبيه التام

وهو التشبيه الذي تُذكر فيه جميع الأركان الأربعة: المشبَّه، المشبَّه به، أداة التشبيه، ووجه الشبه. مثال: “الولد كالصقر في الشجاعة”. في هذا المثال: الولد مشبَّه، الصقر مشبَّه به، “كـَ” أداة التشبيه، “الشجاعة” وجه الشبه.

2. التشبيه المُجمل

وهو ما ذُكر فيه المشبَّه، المشبَّه به، وأداة التشبيه، دون ذكر وجه الشبه. مثال: “العلم كالنور”. هنا وجه الشبه غير مذكور، لكنه يُفهم ضمنًا من العلاقة بين العلم والنور، وكلاهما يهدي الناس.

3. التشبيه المؤكد

وهو التشبيه الذي حُذفت منه أداة التشبيه، ويُذكر فيه وجه الشبه. مثال: “الرجل أسد في الشجاعة”. هنا “الأسد” مشبَّه به، والشجاعة هي وجه الشبه، والمشبَّه شخصًا. أو مثل: “الفتى أسد في ساحة المعركة”.

4. التشبيه البليغ

هو أبرز أنواع التشبيه وأشدها بلاغة، ويتم بحذف كل من أداة التشبيه ووجه الشبه، فلا يُذكر إلا المشبَّه والمشبَّه به، ويتضح وجه الشبه من خلال الجملة وسياق الكلام. مثل: “الأم جنة”. هذا النوع من التشبيه شديد التأثير في النفس، ويُستخدم كثيرًا في الشعر والنثر.

5. التشبيه الضمني

وهو تشبيه لا يُذكر فيه صراحة الأداة، ولا يُصرح فيه بوجه الشبه، بل يُفهم من المعنى العام للجملة والمقارنة بين شيئين لا يُقصد أحدهما لذاته وإنما لتقوية المعنى. مثال: “من طلب العلا سهر الليالي”. فهنا يُشبه الذي يطلب النجاح بمن يصبر ويتعب ويجتهد، دون تصريح مباشر، ولكن التشبيه موجود ضمنيًا.

أهمية التشبيه في التعليم وتنمية المهارات اللغوية

يُعدّ التشبيه وسيلة تعليمية قيّمة يمكن للمعلمين وأولياء الأمور توظيفها لتقوية مهارات اللغة العربية لدى الأطفال واليافعين، وتحبيبهم بها. فإنه من خلال استخدام التشبيه يمكن تقريب المفاهيم الغامضة، وتسهل عملية الفهم والاستيعاب خاصة في المراحل التعليمية الأولى. على سبيل المثال، إذا أردنا تعريف الطفل بمعنى “الكريم”، يمكننا أن نقول: “الولد كالسحاب، يعطي بلا حدود”. بهذا المثال نربط صفة الكرم بأمر محسوس وهو “السحاب”، وبالتالي يسهل على الطفل استيعاب المعنى المجرد.

كما أن التعبير بالتشبيه يعزز من الخيال والقدرة على التصور، وهي مهارات مهمة في تنمية الإبداع اللغوي لدى المتعلم. الطفل الذي يتعلم كيف يستخدم التشبيه، تصبح لديه أدوات للتعبير أجمل وأكثر دقة، وهذا ينعكس إيجابًا على مستواه في الإنشاء والخطابة والقراءة.

التشبيه في القرآن الكريم

برز التشبيه أيضًا في القرآن الكريم، كوسيلة بلاغية تهدف إلى تقريب المعاني وتوضيح الرسالة الإلهية للناس. وقد وردت العديد من الأمثلة على التشبيه في القرآن، مثل قوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا…” (البقرة: 17)؛ ففي هذا المثال، تصف حالة المنافقين الذين استوقدوا نور الإيمان بقل وبهم ولكنهم سُلبوا هذا النور فعاشوا في حيرة وظلام شديد. فكما أن الشخص الذي يضيء له النار ثم يطفئها الله، ليترك له حرارتها وظلامها الذي يعمه، كذلك المنافقون انتفعوا بالإسلام ظاهريًا ولكنهم عادوا إلى الكفر بعد الإيمان، فتركهم الله في ظلمات الضلال والحيرة.

ومثال آخر، قوله تعالى: مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ…” (البقرة: 261)، فيه تشبيه لمن ينفق ماله في سبيل الله بحبة القمح التي تنبت سبع سنابل، في كل سنبلة مئة حبة، وذلك لتوضيح الأجر المضاعف.

أمثلة متنوعة على التشبيه

  • الفتاة كالقمر في جمالها.
  • الأب شجرة نستظل بظلها (تشبيه بليغ).
  • المعلم كالشمعة يحترق ليضيء الطريق لغيره.
  • الوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك.
  • التلميذ نسر في طموحه (تشبيه مؤكد).

كيفية تدريب الطلاب على استخدام التشبيه وأركانه

لتعليم الطلاب استخدام التشبيه بطريقة فعالة، يُنصح باتباع بعض المراحل التعليمية التدريجية، تبدأ بالتعريف بالمفهوم وأجزائه، ثم إعطاء أمثلة بسيطة من محيط الطالب وبيئته، مرورًا بتمارين تُطلب منهم فيها استنتاج أركان التشبيه، وانتهاءً بمرحلة الإبداع اللغوي التي يُنشئ فيها الطالب جملًا وتشبيهات خاصة به.

كما يمكن إشراك الطلاب في أنشطة جماعية تقوم على ابتكار تشبيهات لأشياء قريبة منهم، مثل المدرسة، المعلم، الطبيعة، أو الأم، ليربطوا بين المعاني المجردة والأشياء المحسوسة، مما يترسّخ في أذهانهم أهمية التشبيه في التعبير والتأثير.

الفروق بين التشبيه والاستعارة

من المهم توضيح الفرق بين التشبيه وأركانه والاستعارة للطلاب في مرحلة متقدمة من التعليم. فالتشبيه يذكر فيه الطرفان (المشبَّه والمشبَّه به) مع أداة التشبيه، أما الاستعارة فتقوم على حذف أحد الطرفين أو المجاز بأحد الألفاظ، وغالبًا ما تُستخدم بطريقة مجازية أكثر إبداعًا. فمثلًا: “الجيش أسد” (استعارة)، بينما “الجيش كـالأسد” (تشبيه مؤكد).

المراجع

  • شوقي ضيف، “البلاغة: تطور وتاريخ”، دار المعارف، القاهرة، 2006.
  • بكري شيخ أمين، “البلاغة العربية: علم المعاني والبيان والبديع”، مكتبة دار الفكر، دمشق.
  • القرآن الكريم، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
  • محمود كامل الناجي، “في بلاغة اللغة العربية”، دار الفكر العربي، بيروت.
  • عبد العزيز عتيق، “البلاغة العربية: علم البيان”، مكتبة النهضة المصرية.

موارد ذات صلة:

التشبيه وأركانه

التتشبيه وأركانه في البلاغة العربية